التهجير والتعريب
من وجهة النظر القانونية
الدكتور احمد الموسوي
مكتب الفكر والتوعية في الاتحاد الوطني الكوردستاني السليمانية- 2004
يتميز النظام الحاكم في العراق عن الانظمة الاستبدادية في العالم بانه اكثرها خرقا للاعلانات والمواثيق والاتفاقيات الدولية والدستور المؤقت الذي اقر بقرار من قرارات مجلس قيادة الثورة في السادي عشر من تموز عام 1970.
ولم تقتصر مسؤولية السلطات الحاكمة على انتهاكات فردية رغم الضمانات الدستورية، بل شملت انتهاكات جماعية توصف صور منها بالابادة الجماعية التي تعد جرائم ضد الانسانية،
الحملات العسكرية التي شنتها القوات العراقية على اهوار العراق عام 1985والعمليات العسكرية التي استهدفت سكان مدينة حلبجة واستخدام الاسلحة المحرمة دوليا وكذالك العمليات العسكرية الواسعة النطاق على مدن وقرى كردستان خلال عمليات الانفال سيئة الصيت، والحملات الارهابية والقتل الجماعي في قمع انتفاضة اذار عام 1991، هي جرائم دولية بمقتضى القانون الدولي وتتتعارض مع اهداف الامم المتحدة وتمس المجتمع الدولي.
كما تميز النظام في العراق بتنوع صور انتهاكاته لحقوق المواطن والتي بدات بعد استلامه السلطة في انقلاب السابع عشر من تموز عام 1968.
التهجير الخارجي
منذ عام 1969 والسلطة الحاكمة تقوم بعمليات تهجير قسرية الى خارج العراق، شملت مئات الالاف من المواطنين من مختلف سكان المحافظات، ومن جميع شرائح المجتمع العراقي(عمال، فلاحين، اطباء، مهندسين، معلمين، عسكريين، طلاب، شيوخ، نساء، اطفال...) وتم ابعادهم في ظروف قاسية واجواء ارهابية ومعاملة لا انسانية.
الدستور المؤقت
خصصت المادة 16 من الدستور المؤقت لعام 1970 للملكية الخاصة، ونصت المادة الثامنة عشر على ان التملك العقاري محظور على غير العراقيين، الا ما استثنى بقانون، رغم وضوح النص الدستوري وان التملك لغير العراقيين محظور، اي اقرار عراقيتهم، فان السلطات الحاكمة جؤردت المهجرين قبل ترحيلهم من سندات التمليك والوثائق الثبوتية التي تؤكد ارتباطهم بالعراق وبالمواطنة ولم يتم تعويضهم وفق الفقرة /ج/ من المادة السادسة عشرة، التي جاء فيها عدم نزع الملكية الخاصة الا لمقتضيات المصلحة العامة ووفق تعويض عادل.
المادة التاسعة عشرة الحق في المساواة وتكافؤ الفرص
المادة العشرون، الحق في محاكمة عادلة
المادة الثانية والعشرون، الحق في الحرية وفي الامان على شخصه واحترام الكرامة الانسانية
الاعلانات والاتفاقيات الدولية وميثاق المنظمة العالمية
ان الاعلانات والاتفاقات الدولية قد اكدت حمايتها وكفالتها للحقوق التي انتهكتها السلطات العراقية في اجراءتها وقراراتها التعسفية بحق المهجرين، ومنها الحق في الحياة الذي اغفله الدستور المؤقت لعام 1970.
1-الاعلان العالمي لحقوق الانسان 1948
جاء في ديباجة الاعلان "ولما كان من الضروري ان يتولى القانون حماية حقوق الانسان، لكيلا يضطر المرء اخر الامر الى التمرد على الاستبداد والظلم، ولما كانت الدول الاعضاء قد تعهدت بالتعاون مع الامم المتحدة على ضمان اطراد مراعاة حقوق الانسان والحريات الاساسية واحترامها.
2-العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
جاء في ديباجة العهد، ان الدول الاطراف في العهد، اذ ترى ان الاقرار بما لجميع الاسرة البشرية من كرامة اصيلة ومن حقوق متساوية غير القابلة للتصرف، وفقا للمبادئ المعلنة في ميثاق الامم المتحدة، اساس الحرية والعدل والسلم في العالم.
3-العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
تضمنت الديباجة، ان الدول الاطراف في هذا العهد، واذ تدرك ان تهيئة الظروف المناسبة لاتاحة تمتع كل انسان بحقوقه المدنية والسياسية مثل تمتعه بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هي السبيل الوحيد، وفق الاعلان العالمي لحقوق الانسان، لتحقيق المثل الاعلى في ان يكون البشر احرارا ومتمتعين بالحرية المدنية والسياسية ومتحررين من الخوف والفاقة، واذ تدرك الالتزام المترتب على الدول بموجب ميثاق الامم المتحدة بتعزيز الاحترام والمراعاة العالميين لحقوق الانسان وحرياته.
4-البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ان الدول الاطراف في هذا البروتوكول، اذ ترى من المناسب، تعزيزا لادراك مقاصد العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ولتنفيذ احكامه تمكين اللجنة المعنية بحقوق الانسان من القيام وفقا لاحكام هذا البروتوكول، باستلام ونظر الرسائل المقدمة من الافراد الذين يدعون انهم ضحايا اي انتهاك لاي حق من الحقوق المقررة في العهد.
ميثاق المنظمة العالمية
بعد حوادث الاضطهاد والتعذيب التي حدثت اثناء الحرب العالمية الثانية، صمم واضعوا ميثاق الامم المتحدة على تضمين ميثاقها احكاما تتعلق بالضمانات الكفيلة بحقوق الانسان حتى لا تكرر الفضائع التي ارتكبت، وان حماية حقوق الانسان يجب ان لا تتلاك لحماية الدول، بل يجب وضعها تحت حماية دولية، واصبح المجتمع الدولي يعترف بحماية القيم الانسانية من الخرق ومن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، كجريمة الابادة الجماعية بااعتبارها جرائم ضد الانسانية، وهي جرائم دولية بمقتضى القانون الدولي وبتعزيز دور الامم المتحدة واجهزتها والمنظمات المتخصصة العاملة في اطارها حقق للمجتمع الدولي وجود سلطة دولية عليا قادرة نسبيا على حماية حقوق الانسان من خلال اليات دولية للمراقبة والمسائلة.
لجنة حقوق الانسان
انشات عام 1946 بموجب المادة 68 من ميثاق الامم المتحدة بقرار من المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وتتمتع بنظام قانوني خاص ولها صلاحيات البحث والتحقيق في الشكاوي المرسلة الى الامم المتحدة من الافراد والمجموعات والمنظمات غير الحكومية ضد الحكومات عن انتهاكات حقوق الانسان.
التهجير الداخلي
لم تقتصر سياسة ونهج السلطة العراقية على التهجير الخارجي، بل تنتهج سياسة التهجير الداخلي منذ اتفاقية السادس من اذار عام 1970 ، المعروفة باتفاقية الجزائر بين العراق وايران ووفق بنودها السرية والعلنية ومصالح الدولتين العراق وايران انهارت الحركة الكردية المسلحة، وتجمدت فعالياتها العسكرية بعض الوقت وقدم العراق امام هذا الشرط، قرى ومياه عراقية، وابعاد المعارضة الايرانية المتواجدة في العراق واغلاق اذاعتها وانهاء النفوذ الشيوعي في العراق.
التنرحيل والتعريب خرقا فاضحا لحقوق الانسان
لم تكتف الحكومة العراقية بانتهاكاتها الصارخة بحق المواطن طيلة السبعينات والثمانينات بمحلات التهجير الخارجي، التي قامت بها كممارسة من ممارسات التمييز الطائفي التي تنتهجها بل اقدمت على حملات التهجير الداخلي كتاكيد على سياسة التمييز القومي ايضا.
*منذ منتصف عام 1977 طرد الاف الاكراد وعدد من السكان المنحدرين من اصول غير عربية،كان من بينهم التركمان والاشوريين الذين امضوا حياتهم كلها فيب منطقة كركوك الواقعة على بعد حوالي 200 كيلو متر شمال بغداد، وقد اجبروا على التوجه الى المحافظات الشمالية التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بسبب اصلهم العرقي وبسبب الاهمية الاستراتيجية لموقع كركوك، وكذالك وفرة حقولها النفطية.
*في 12 كانون الثاني 1998 اصدرت محافظة التاميم/ كركوك/ مرسوما بطرد 1468 اسرة من المحافظة، وقد استند القرار الى توجيهات صادرة من رئاسة الجمهورية، وحدد القرار تاريخا بين 15 نيسان و15 ايار من نفس العام لترحيل الاسر المذكورة.
الطرد القسري لغير العرب، عنوان في تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2001
استمر طرد غير العرب من منطقة كركوك الى كردستان العراق، وكان معظمهم من الاكراد، لكن بينهم تركمان واشوريين، وتم ترحيل الاف الاشخاص في السنوات الاخيرة بسبب اصلهم العرقي نظرا للموقع الاستراتيجي لكركوك ومواردها النفطية، وقد شجعت الحكومة العرب الذين يعيشون في المناطق التي تسيطر عليها على الانتقال الى كركوك، واورد التقرير بانه قد تم طرد 78 شخصا من افراد 10 عائلات في تشرين الاول الى المنطقة الواقعة تحت سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني، وقد احتجزت من كل عائلة احد افرادها الى ان استكملت عملية ترحيل العائلات.
*رغم الادانات المستمرة لمنظمات وجمعيات حقوق الانسان لنهج سياسة التعريب وتغيير الطابع الديمغرافي لمحافظة كركوك خاصة، قررت السلطة العراقية مؤخرا توزيع 7 الاف قطعة ارض سكنية في مدينة كركوك على العرب القادمين من المحافظات الوسطى والجنوبية.
*تستمر السلطات العراقية بسياستها التي تهدف تغيير الواقع السكاني لمدينة كركوك ومدن اخرى من خلال عمليات الترحيل للرافضين تنفيذ قرار مجلس قيادة الثورة رقم 199 الصادر في 9/6/2001 المتضمن طلب تغيير القومية الى العربية لكل عراقي اتم الثامنة عشرة من العمر بعد ان استنفذت محاولات (تصحيح القومية).
*واذا تضع في اعتبارها تاييد الجمعية العامة في قرارها 41/70 المؤرخ 3كانون الاول 1986 لمطالبة جميع الدول بتعزيز حقوق الانسان والحريات الاساسية وبالامتناع عن حرمان اي فرد من سكانها من هذه الحقوق والحريات لاسباب تتعلق بالجنسية او العرق او العنصر او الدين او اللغة.
*لتجسيد ممارسة الترحيل القسري والتعريب تقوم السلطات العراقية بين فترة واخرى الى اصدار قرارات خاصة بهذا الصدد.
خاتمة
ان التهجير بشقيه الداخلي والخارجي وسياسة التعريب لتغيير الطابع الديمغرافي لمدينة كركوك ومدن اخرى مشروع قديم راود حكام العراق، وبدات بتنفيذه الانظمة المتعاقبة على مراحل بفترات زمنية تخضع لتوقيت وظروف خاصة يقدرها النظام نفسه.
فالصوفات التي تروي عن عمليات الابعاد القسرية تندى لها جبين البشرية ببشاعتها وتجاوزاتها اللا اخلاقية واللا انسانية قبل القانونية.
بابەتی زیاتر